مصطفى بن سليمان بالي زاده الحنفي
133
شرح فصوص الحكم
بالغنى عن الناس من أيّ جهة وبالافتقار إليه من أيّ جهة فغناؤه بحسب ذاته وافتقاره بحسب ظهور أحكامه وإنما افتقر العالم إلى اللّه سواء كان افتقارا كليا أو افتقارا نسبيا ( فإن العالم مفتقر إلى الأسباب بلا شك افتقارا ذاتيا وأعظم الأسباب له سببية الحق ) أي أن يكون الحق سببا له لا غيره ( ولا سببية للحق ) أي ولا يمكن للحق أن يكون سببا للعالم ( يفتقر العالم إليها ) أي إلى هذه السببية ( سوى الأسماء الإلهية ) إذ ما دبر الحق العالم إلا بأيدي أسمائه فسبحان من دبر العالم بالعالم ( والأسماء الإلهية كل اسم يفتقر العالم إليه ) سواء كان ذلك الاسم المفتقر إليه ( من ) جنس ( العالم مثله ) أي مثل المفتقر كالوالد بالنسبة إلى الولد ، فإنه اسم إلهي يفتقر إليه الولد في وجوده الخارجي مع أنه من العالم مثل الولد فلا يطلق الاسم على شيء إلا بسبب كونه محتاجا إليه للعالم ( أو ) تجلى من ( عين الحق ) فكيف كان ( فهو ) أي الاسم المفتقر إليه ( اللّه ) أي عين الحق باعتبار الربوبية ( لا غيره ) وإن كان غيره باعتبار الظلية إذ لا يحتاج إليه ولا يطلق عليه الاسم بهذا الاعتبار فكان العالم كله من الأسماء والأعيان وغيرها يفتقر إلى اللّه خاصة ( ولذلك ) أي ولأجل أن العالم كله محتاج إلى اللّه لا إلى غيره ( قال اللّه تعالى يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ( 15 ) [ فاطر : 15 ] فالغناء لا يكون إلا للَّه والفقر لا يكون إلا للعالم ( ومعلوم أن لنا افتقارا من بعضنا لبعض فأسماؤنا ) من جنسنا التي يحتاج إليها أسماء اللّه تعالى ( وأسماء اللّه تعالى ) عين ذاته من حيث الربوبية ( إذ إليه الافتقار بلا شك ) لا إلى غيره لأن الغير ظل اللّه والظل لا يقال فيه يفتقر إليه غيره ( وأعياننا ) أي وجوداتنا الخارجية ( في نفس ) الأمر ( ظله لا غيره ) أي لا غير ظله أو لا غير الحق إذ ظل الشيء عينه ( فهو ) أي الحق ( هويتنا ) باعتبار ظهور هوية الحق فينا فلا امتياز بهذا الوجه وهو وجه الأحدية ( لا هويتنا ) باعتبار ظهور الاختلاف فينا . ولما كان هذا البيان أوضح الطريق وأقربه إلى معرفة الحق أوصى للسالكين بقوله : ( وقد مهدنا لك السبيل ) أي بسطنا وأوضحنا لك طريقا واسعا يوصل لمن سلك به إلى الحق ( فانظر ) فيه تصل إلى مقصودك واللّه المعين . فص حكمة أحدية في كلمة هودية أي العلوم المتعلقة بالحقيقة الأحدية مودعة في روح هذا النبي لذلك دعا قومه إلى مقام الأحدية بقوله : ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [ هود : 56 ] ولما كانت لكل اسم أحدية الصراط وكان أحدية الصراط الاسم اللّه جامعا لجميع أحدية صراط الأسماء شرع في بيان الأحدية الجامعة أوّلا بقوله : ( أن اللّه الصراط المستقيم ظاهر ) خبر لمبتدأ محذوف وهو هو ( غير خفي ) تأكيد ( في العموم ) أي جاء هذا الصراط